يرى عمرو حمزاوي وسارة يركس وكاثرين سيلف أن العودة الأميركية إلى واجهة الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين تضع واشنطن أمام اختبار تاريخي جديد، في ظل هدنة هشة أفرزها اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وخارطة طريق أقرها مجلس الأمن لاحقاً، وتقوم على تفكيك حكم حماس في غزة، وتشكيل مجلس سلام تقوده الولايات المتحدة، إلى جانب قوة استقرار دولية تشرف على الأمن وإعادة الإعمار.


تشير فورين أفيرز إلى أن الاشتباكات المتقطعة بين الجيش الإسرائيلي وحماس منذ إعلان الهدنة تكشف هشاشتها، وتؤكد الحاجة إلى الانتقال السريع من وقف إطلاق النار المؤقت إلى المراحل التالية من الخطة الأميركية. ومع غياب الثقة بين الطرفين، تراقب الدول العربية التطورات بقلق، مستحضرة إخفاقات سابقة، أبرزها انهيار مسار أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، وما خلّفه من شكوك عميقة في فرص السلام.


دروس من وساطات أميركية سابقة


يؤكد الكتّاب أن التاريخ الدبلوماسي الأميركي في الشرق الأوسط يحمل دروساً واضحة. نجحت واشنطن في رعاية اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 بين مصر وإسرائيل، ولاحقاً اتفاق السلام الأردني الإسرائيلي عام 1994، بينما أخفقت في مسارات أخرى، أبرزها الملف الفلسطيني ومسار التفاوض السوري الإسرائيلي. وتبرز هذه التجارب أهمية الانخراط الشخصي للرؤساء الأميركيين، وحماية المفاوضين من الضغوط الداخلية، وتوقيت الحوافز والعقوبات بدقة.


اعتمدت إدارة جيمي كارتر في كامب ديفيد أسلوب “العزل السياسي”، حيث أبقت القادة بعيدين عن جماهيرهم، وسمحت للوسيط الأميركي بإدارة التنازلات تدريجياً. كما فصلت بين المسارات، فركّزت على القضايا القابلة للحل السريع، وأجّلت الملفات الأكثر تعقيداً. ودعمت الاتفاق بحزمة أمنية واقتصادية واسعة ضمنت استمراره.


في المقابل، أظهر مسار أوسلو مخاطر الغموض والترحيل المستمر للقضايا الجوهرية. ترك الاتفاق كثيراً من الملفات بلا حسم، وسمح بتنامي “المعطّلين” على الجانبين، بينما فشلت واشنطن في إعداد الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني لتكلفة السلام وعوائده. ومع غياب معايير واضحة للمحاسبة، تآكلت الثقة وانتهى المسار إلى الفشل.


الحوافز والزخم وخطر المعطّلين


يوضح المقال أن الزخم السياسي يشكّل عنصراً حاسماً. استفاد الأردن من لحظة أوسلو المبكرة لإطلاق مسار تفاوضي سريع مع إسرائيل، بدعم أميركي كثيف وحوافز اقتصادية ملموسة، ما سهّل تقبّل الاتفاق داخلياً. في المقابل، عانى المسار السوري من تردّد أميركي وتجميد متكرر، أفقد واشنطن مصداقيتها وأجهض فرص التوصل إلى اتفاق.


يخلص الكتّاب إلى أن الانخراط الأميركي رفيع المستوى وحده لا يكفي. تقويض عملية السلام يأتي غالباً من الداخل، حين تعجز القيادة عن إقناع مجتمعاتها بأن السلام سيحسّن حياتهم. لذلك، يحتاج أي مسار تفاوضي إلى حوافز كبيرة ومعلنة، وضغوط حقيقية عند الإخلال بالالتزامات، ومعايير قابلة للقياس تمنع التسويف.


غزة اليوم: كيف تتجنب واشنطن أخطاء الماضي؟


يرى المقال أن مستقبل غزة يفرض على إدارة ترامب تبنّي نهج مختلف. يتعيّن على الرئيس الأميركي التدخل شخصياً في اللحظات الحاسمة، على غرار نموذج كامب ديفيد، مع إدارة تفاوضية تحظى بثقة الطرفين. ويحذّر الكتّاب من أن ترؤس ترامب المباشر لمجلس السلام قد يثير شكوك الفلسطينيين بسبب انحيازاته، ويدعون إلى إسناد الواجهة لشخصيات أو أطراف دولية تحظى بقبول أوسع، مع احتفاظ واشنطن بالدور القيادي خلف الكواليس.


تشدد الدراسة على أن المراحل التدريجية تنجح فقط عندما ترتبط بجداول زمنية واضحة، ومكاسب مبكرة ملموسة، وأفق سياسي نهائي محدد. في حالة غزة، ينبغي ربط الاستقرار وإعادة الإعمار بمسار واضح نحو الدولة الفلسطينية، وعدم تكرار خطأ أوسلو في تأجيل قضايا الوضع النهائي إلى أجل غير مسمى.


تقترح المقالة حزمة حوافز للفلسطينيين تشمل إعادة إعمار شاملة تولّد فرص عمل وتحسّن الظروف المعيشية سريعاً، مقابل التزامات أمنية واضحة. وبالنسبة لإسرائيل، يمكن ربط التقدم في غزة بفرص تطبيع إقليمي أوسع، وضمانات أمنية أميركية، شرط التزامها بتجميد الاستيطان والانسحاب من مناطق متفق عليها.


يختم الكتّاب بالتأكيد أن السلام الدائم يحتاج إلى ترتيبات أمنية متعددة الطبقات، وقوة دولية محايدة تراقب التنفيذ، وانتقال تدريجي للمسؤوليات إلى السلطات الفلسطينية. من دون مكاسب فورية يشعر بها الناس على الأرض، سيظل السلام هشاً، وستبقى غزة بؤرة اشتعال تهدد المنطقة بأكملها.

 

https://www.foreignaffairs.com/palestinian-territories/folly-fatalism-gaza